الكويت
سياسة الكويت

الهوية الإيرانية المعقدة: صراع بين القومية والدين والنزعة الطائفية

عرب تايمز١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٨ م0 مشاهدة
الهوية الإيرانية المعقدة: صراع بين القومية والدين والنزعة الطائفية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "The persistence of the Arab-Iranian complex" نشر أولاً على موقع عرب تايمز وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يشير صادق زيباكلام، المفكر الإصلاحي الإيراني بجامعة طهران، إلى أن الإيرانيين لم ينسوا بعد هزيمتهم التاريخية على يد العرب، ولا معركة القادسية التي وقعت قبل 1400 عام، وأن هذا الاستياء العميق تجاه العرب لا يزال قائماً، كالنار تحت الرماد، مستعداً للاشتعال عند كل فرصة. ويضيف أن المثقفين العرب يزدادون ازدراءً للعرب، بل وحتى المتدينين يشعرون بالنفور منهم، وأن العداء الذي يشعر به الكثير من الإيرانيين تجاه الشخصيات العربية يعكس عداءً أوسع تجاه العرب.

على الرغم من الاستخدام الواسع للمفردات العربية في المراسلات الرسمية والمحادثات اليومية، إلا أن هذا الحضور اللغوي لا يعني بالضرورة قبولاً ثقافياً أو شعوراً بالانتماء إلى العالم العربي، بل ربما العكس هو الصحيح. يبدو أن الإيرانيين احتفظوا بالكلمات العربية دون محاولة "فارسنتها"، أي استبدالها بمرادفات فارسية، كما سعى الشاه. ورغم اعتناق الإيرانيين للإسلام، إلا أنهم لم يدمجوه بشكل كامل في هوية الدولة حتى بعد 1400 عام. ولمواجهة هذا التصور، يؤكد الإيرانيون على دورهم التاريخي في تشكيل الأبعاد اللغوية والدينية والثقافية للإسلام، مشيرين إلى أن العديد من جامعي كتب الحديث الصحيحة، ومؤسسي المذاهب الإسلامية، وواضعي قواعد اللغة العربية كانوا من أصول فارسية.

تكمن الصعوبة في أن الطبقة الحاكمة في إيران، ربما على عكس معظم الدول الإسلامية الأخرى، تستمد شرعيتها الدينية والطائفية من اللغة العربية والتقاليد الإسلامية. ومع ذلك، ولأسباب قومية، فإنها لا تميل نحو العرب، بل ترى تاريخها وحضارتها أسمى من شعوب غزت بلاد فارس وحكمتها لقرون. يبقى هذا التوتر غير محلول وقد يستمر إلى أجل غير مسمى، وفشلت جهود التوفيق بين هذه الهويات المتنافسة حتى الآن.

حاولت إيران، ونجحت لفترة، في حكم عدة دول عربية بشكل شبه مباشر. ولتحقيق هذا التوازن، يذكر محمد الرميحي أن النظام الإيراني اتبع مسارين متوازيين: الأول يسعى لتضخيم البعد الطائفي خارج حدود إيران، خاصة في دول عربية معينة، لإظهار أن نفوذ الجمهورية الإسلامية يمتد عبر الانتماءات الطائفية، ويُقدم محلياً كدليل على القوة والتوسع. أما المسار الثاني فيتمثل في الحفاظ على مسافة سياسية ونفسية من العرب، حتى من خلال استخدام مصطلحات ذات دلالات سلبية، مثل "البدو". ورغم أن هذا المصطلح يرد في القرآن للإشارة إلى فئة معينة انحرفت عن القيم الإسلامية، إلا أنه استُخدم لاحقاً للإشارة إلى العرب بطرق ملتبسة تخدم الخطاب السياسي الإيراني وتخرج عن معناه اللغوي والديني الدقيق.

تشير هذه الازدواجية إلى أن أزمة إيران تتجاوز السياسة الخارجية لتصل إلى مسألة هوية الدولة نفسها: هل إيران دولة قومية فارسية، أم دولة دينية عابرة للحدود، أم مشروع طائفي يسعى لتوسيع نفوذه؟ إن السعي المتزامن لهذه الأهداف الثلاثة جعل الخطاب الرسمي يتسم بالتناقضات. ومن الجدير بالذكر أن شرائح واسعة من المجتمع الإيراني لا تشارك هذا الرأي. فقد لعبت المجموعات المتعلمة والتقدمية دوراً في إسقاط النظام السابق، متطلعة لبناء دولة حديثة يمكنها التفاعل مع العالم والاستفادة من إنجازاته. إلا أن الثورة سلكت مساراً مختلفاً، مما أدى في النهاية إلى تهميش هذه القوى لصالح المؤسسة الدينية وجهاز الأمن.

لهذه الأسباب، فشلت الجمهورية الإسلامية في حل أزمة هويتها. لم تتمكن من بناء دولة قومية مستقرة، أو تقديم نموذج ديني متوافق مع العصر الحديث، أو إقامة علاقات طبيعية مع جيرانها ومع العالم الأوسع. وبالتالي، تبدو الأزمات الخارجية لإيران انعكاساً لأزمة داخلية أعمق - عجز النخبة الحاكمة عن الإجابة على سؤال جوهري: ما هي هويتنا؟

لا يمكن فهم العديد من الصراعات التي تعصف بالمنطقة دون الأخذ في الاعتبار الغموض العميق المحيط بهوية الدولة الإيرانية. هذا الغموض يترك صنع القرار السياسي عالقاً بين القومية والدين والثورة، ويمنعه من الاستقرار على مشروع قادر على إنتاج دولة متوازنة في سلام مع نفسها قبل السعي للمصالحة مع الآخرين. وعندما تفشل الدولة في تحديد هويتها، فإن من يختلفون مع رؤيتها يخاطرون بالتعامل معهم كخصوم، ويصبح الصراع وسيلة لتأكيد سلطتها.

بقلم: أحمد الصراف

شارك الخبر: