فجوات الاستدامة: كيف نحول التحديات إلى فرص نمو حقيقية؟


هذا الخبر بعنوان "فجوات الاستدامة" نشر أولاً على موقع السياسة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الدهشة تراودني عند قراءة مؤشرات المؤسسات أو التواصل مع قادتها، فالواقع يكشف عن فجوات اتسعت لتصبح شائعة، تتجاوز في بعض الأحيان 30% بين ما هو مستهدف وما يتم إنجازه، أو بين ما هو قائم وما هو منشود. في هذا المقال، سأركز على مفهوم "استدامة الأعمال"، وهو هدف نسعى إليه جميعاً عبر الخطط والمبادرات والمؤشرات، ونعلن التزاماتنا تجاهه. لكن، إلى أي مدى ندرك موقعنا الحالي والمسافة التي تفصلنا عن طموحاتنا؟
من هنا، تبرز أهمية تحليل فجوات الاستدامة كمدخل عملي لإعادة تقييم واقع المؤسسات واختبار قدرتها على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة ومستدامة. الفجوة، في جوهرها، هي المسافة بين الواقع والمأمول، وهي فكرة بسيطة لكنها تفتح باباً واسعاً للمراجعة المؤسسية. تدعونا إلى وصف ما ننجزه فعلاً، مقارنته بما ينبغي إنجازه، تحديد الفارق، البحث عن أسبابه، ووضع مسار عملي لمعالجته.
يختلف التعامل مع الفجوات كأداة تشخيصية عن مجرد رصد المشكلات الظاهرة. قد تتراجع النتائج أو تتأخر المعاملات أو تنخفض كفاءة الإنفاق، لكن معالجة هذه المظاهر وحدها لا تكفي ما لم نكتشف أسبابها الجذرية، سواء كانت مرتبطة بالمهارات، الموارد، الإجراءات، السياسات، أو منظومة الحوكمة ذاتها.
عبارة "ما لا يُقاس لا يُدار" تذكير بأن القرارات الرشيدة تحتاج إلى بيانات موثوقة. قياس الواقع أصبح شرطاً لصناعة المستقبل عبر مؤشرات واضحة، خط أساس يمكن الرجوع إليه، وأهداف محددة زمنياً. بدون ذلك، قد تنشغل المؤسسة بالأنشطة والاجتماعات والتقارير، بينما تظل قدرتها على قياس التقدم الفعلي محدودة.
تزداد أهمية فجوات الاستدامة عند النظر إليها في المؤسسات المجتمعية (تنموية، أهلية، إنسانية) التي تتحمل مسؤولية مزدوجة في المحافظة على الأصول وتحسين أثرها التنموي. استدامة هذه المؤسسات لا تقتصر على استمرار أعمالها أو توازن مواردها، بل تمتد إلى قدرتها على تطوير أدائها، تجديد أدواتها، الاستجابة للاحتياجات المتغيرة، وإثبات قيمتها للمجتمع.
ينطبق الأمر ذاته على المؤسسات العامة والخاصة؛ فالفجوات تتسع مع تغير التوقعات والتقنيات والمتطلبات التنظيمية، بينما تبقى أساليب العمل ومؤشرات الأداء على حالها. ومع مرور الوقت، قد تتحول الفجوة الصغيرة إلى كلفة مالية وتشغيلية كبيرة، وتؤثر سلباً على السمعة، خاصة عند تراجع فرص التحسين التي كان بالإمكان استثمارها مبكراً. كما قال أحد القياديين المخضرمين: "الفجوات لا تبقى على حالها، إنها تتسع إذا لم تتداركها".
عند مناقشة التحديات مع مختلف المستويات القيادية والإشرافية والتنفيذية، أحرص على سبر جذور المشكلات لا ظواهرها. تحليل فجوات الاستدامة هو اختبار للتعلم والتحسين، يبدأ بالاعتراف بالواقع، وفهم الأسباب، وينتهي بتحديد الأولويات والمسؤوليات والموارد والجدول الزمني ومؤشرات المتابعة. بهذه الجدية، نملك زمام "الجاهزية" للمستقبل.
نصيحتي هي: ضعوا نصب أعينكم هدفاً يتجاوز المعرفة النظرية إلى تمكين العاملين من تشخيص فجواتكم الحقيقية في بيئة أعمالكم. اجعلوا صياغة مبادرات سد هذه الفجوات ناجزة وعملية، واربطوها بمقاصد وجودكم، وحدات أعمالكم، أو الأهداف الاستراتيجية ذات الصلة، سواء على صعيد مؤسستكم، أو رؤية الدولة، وأهداف التنمية المستدامة (SDGs 2030). أوقفوا هذا التفاقم بكل اقتدار وإقدام.
اقتصاد وأعمال
اقتصاد وأعمال
اقتصاد وأعمال
اقتصاد وأعمال