حماية منظومة الأسرة الكويتية: دعوة لتمكينها قبل فوات الأوان


هذا الخبر بعنوان "حماية منظومة الأسرة قبل فوات الأوان" نشر أولاً على موقع السياسة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد الكويت نقاشات متزايدة حول قضايا الأسرة، حيث تُرفع شعارات تدعم المرأة والطفل تحت مسميات مثل "تمكين المرأة"، و"الفكر المعاصر"، و"البروتوكولات الدولية"، و"العنف الأسري". يثير القلق أن بعض هذه الطروحات تتعامل مع التجارب الغربية كنماذج جاهزة للإصلاح دون تمحيص أو مراعاة لاختلاف القيم والبيئات الكويتية. يتساءل المقال: كيف نأتمن على منظومة الأسرة الكويتية مفاهيم لا تتوافق مع شريعتنا وخصوصيتنا الاجتماعية؟
تتفاقم الخطورة عندما تستعين بعض الجمعيات النسائية بمنظمات أجنبية وسفراء دول غربية لتسويق رؤاها، وتُمنح هذه الجهات منابر محلية لعرض تجاربها كسبيل للتقدم وتحسين التصنيفات الدولية. في حين أن الاستفادة من خبرات الآخرين أمر مقبول، فإن التعامل معهم كأوصياء على المجتمع أو مراجع تعلو على السيادة التشريعية أمر مرفوض. لا يجوز أن ترتهن مكانة الكويت برضا جهات خارجية عن قوانين الأسرة فيها.
الأسرة هي أساس المجتمع، وأي تغيير في قوانينها يمتد أثره إلى الزوجين والأبناء والأجيال القادمة. لا يكفي أن يحمل المشروع عنواناً جذاباً ليُقبل، بل يجب قياسه بما يحققه من عدالة واستقرار وحماية فعلية من الظلم، وما يمنعه من نزاعات وتفكك واستغلال. الاعتراض على نموذج مستورد لا يعني رفض الإصلاح، بل المطالبة بإصلاح واعٍ يحمي المجتمع ويستجيب لحاجاته.
تؤكد فلورانس باور، المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان لأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، أهمية دعم الأسرة. فقد أوضحت في مقالة بتاريخ 11 يوليو 2025 أن العوائق الاقتصادية، وارتفاع تكاليف السكن ورعاية الأطفال، وعدم استقرار العمل، تمنع الكثيرين من إنجاب العدد المرغوب فيه من الأطفال. دعت باور إلى سياسات داعمة للأسرة، وهو ما يدعم المطالبة بتشريعات وإجراءات تعالج معوقات تكوين الأسرة واستقرارها، وتقاس بآثارها الواقعية على حياة الناس.
من المؤسف أن يُختزل النقاش في حقوق طرف واحد، وأن يُصوَّر الرجل والمرأة كخصمين تتعارض مصالحهما بالضرورة. فالمرأة أم وزوجة وابنة وشريكة في بناء المجتمع، والرجل أب وزوج وابن يتحمل مسؤولياته. الطفل يحتاج إلى رعاية تحفظ صلته بوالديه وتحميه من صراعاتهما. أي معالجة تتجاهل هذا التكامل قد تنقل الخلاف من داخل الأسرة إلى مواجهة دائمة بين أبنائها.
نريد حماية المرأة من الاعتداء والظلم، وصيانة حقوقها وكرامتها، ونريد حماية الطفل من الإيذاء والإهمال، ولكن وفق مبادئ الشريعة وثوابت المجتمع، وبما يجمع الحقوق والواجبات، ويحفظ مكانة الوالدين ومسؤوليتهما التربوية. الكويت لديها منظومة دينية وأخلاقية واجتماعية لا يجوز تفريغها من محتواها تحت ضغط الشعارات أو الرغبة في استنساخ تجارب الآخرين.
تبرز ضرورة مراجعة قانون العنف الأسري وتطبيقاته لضمان حماية المتضرر، وتمييز الاعتداء عن التوجيه، والحزم التربوي المشروع الخالي من الإيذاء والإهانة. يجب ألا تتحول النصوص الفضفاضة أو التفسيرات المتعسفة إلى مصدر خوف لدى الوالدين من ممارسة مسؤوليتهما، ولا تصبح الخلافات الزوجية العادية مجالاً لتبادل الاتهامات وتصعيد النزاع. القانون الناجح يحمي من العنف ويصون العدالة ويمنع إساءة استعمال إجراءاته.
ينبغي أيضاً التصدي للبلاغات الكيدية متى ثبتت، دون تعطيل حق المتضرر في الشكوى والحماية. كما يجب تعزيز الإرشاد والإصلاح الأسري في الخلافات التي تقبل التسوية، وتسريع الفصل في الحقوق، حتى لا يصبح طول الإجراءات وتكاليفها عبئاً إضافياً على الأسرة، أو وسيلة ضغط يستعملها أحد الطرفين ضد الآخر، ويدفع الأبناء ثمنها من استقرارهم النفسي وصلتهم بوالديهم.
تحتاج مسودة تعديل قانون الأحوال الشخصية إلى نقاش مسؤول، ودعم لكل ما يعزز استقرار الأسرة، وعدالة الحقوق والواجبات، وينظم الحضانة والرؤية والنفقة بما يحمي الطفل من التجاذبات، ويحفظ حقوق المرأة ودور الرجل. الزواج رباط ديني ومسؤولية مشتركة، والتشريع مطالب بتشجيع استمراره على أساس المودة والعدل، ومنع تحويل الانفصال إلى باب للمكاسب أو الانتقام.
على الجمعيات النسائية والمحامين وسائر المعنيين تقديم مصلحة الأسرة على الانتصار لرؤية فئوية. يجب مناقشة مواد المسودة بنداً بنداً، وبيان مواضع الخلل والبدائل. الحوار الجاد يحتاج إلى حجج واضحة ودراسات للآثار المتوقعة، والاستماع للآباء والأمهات والمتخصصين في الشريعة والقانون والتربية، وصولاً إلى تشريع يوازن بين الحقوق ويعالج المشكلات الواقعية، ويخضع تطبيقه للتقييم والمراجعة.
إن نقل الفكر الغربي كما هو تحت عنوان التمكين قد يتحول إلى انتحار اجتماعي بطيء. التمكين الحقيقي يكمن في بناء نموذجنا الخاص من قيمنا الإسلامية وتراثنا الكويتي المشرّف، والاستفادة من التجارب الإنسانية بوعي وتمحيص، لحفظ الأسرة وتكريم المرأة وحماية الطفل وصون مسؤولية الرجل، وتأسيس مجتمع قوي متماسك يبني كويت المستقبل بخطى ثابتة.
سياسة الكويت
سياسة الكويت
سياسة الكويت
سياسة الكويت