تشكل النظام الدولي الجديد: نهاية التحالفات التقليدية وعصر السيولة الاستراتيجية


هذا الخبر بعنوان "جريدة النهار الكويتية | العالم يتغير.. والتحالفات لم تعد كما كانت" نشر أولاً على موقع النهار الكويتية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد النظام الدولي يتحرك وفق القواعد القديمة التي قسمت العالم إلى معسكرات واضحة، وحلفاء معروفين، وخصوم يمكن تحديدهم بسهولة، فنحن ندخل مرحلة أكثر سيولة، تتداخل فيها المصالح والتهديدات، وتتشكل فيها التحالفات وفق الحاجة والظرف والمجال، لا وفق الانتماء الدائم وحده. قد تكون هناك دولتان حليفتين في الأمن، متنافستين في الاقتصاد، مختلفتين في السياسة، ومتعاونتين في التكنولوجيا، وقد يتحول الشريك إلى منافس في ملف واحد من دون أن يصبح عدواً، كما يمكن للخصم أن يصبح شريكاً مؤقتاً إذا التقت المصالح. هذه ليست مجرد تغيرات في العلاقات بين الدول، بل بداية لتحول أعمق في هندسة النظام الدولي نفسه.
يمثل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان نموذجاً واضحاً لهذا التحول، فأهميته لا تكمن فقط في الدول الثلاث أو في قدراتها العسكرية والمالية، بل في أنه يعكس اتجاهين إقليميين جديدين نحو بناء شبكات أمنية موازية لا تلغي التحالفات التقليدية، لكنها تقلل الاعتماد الكامل عليها. فالسعودية تقدم المال والطاقة والموقع، وتركيا تقدم الصناعة الدفاعية والخبرة العملياتية والتكنولوجيا، وباكستان تقدم القوة البشرية والعسكرية والقدرات الصاروخية والعمق الاستراتيجي والردع النووي. لكن اللافت أن هذه الدول لا تواجه عدوًا واحدًا ولا تتحرك في مسرح واحد؛ فباكستان منشغلة بالهند وكشمير وأفغانستان، وتركيا تتحرك بين المسألة الكردية وشرق المتوسط وقبرص وإسرائيل، والسعودية تواجه تهديدات إيرانية وحوثية وتحولات معقدة في العراق، ولذلك فإن هذا النوع من التحالفات لا يقوم فقط على توحيد الخصم، بل على تجميع القدرة.
وهنا تظهر واحدة من أهم سمات التحالفات المستقبلية، ولن يكون السؤال من هو العدو المشترك فقط، بل ماذا يضيف كل طرف إلى الشبكة. هذه الفكرة ترتبط بتحول آخر؛ منذ سنوات طويلة بدأت الولايات المتحدة تدفع باتجاه أن تتحمل القوى الإقليمية جزءاً أكبر من أعباء أمنها، فقد ظهر ذلك في مرحلة أوباما، ثم أصبح أكثر صراحة في خطاب وسياسات ترامب، أي أن المطلوب من الشركاء ألا ينتظروا دائماً أن تقوم واشنطن بكل شيء، بل أن يشاركوا في إدارة أقاليمهم، وتمويل قدراتهم، وتحمل جزء من أعباء الردع والاستقرار. ومن هنا يمكن أن يتجه النظام الدولي إلى نوع من توزيع العمل الاستراتيجي، تستمر القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في إدارة التوازنات الرأسية الكبرى مع الصين وروسيا، بينما تتحمل القوى الإقليمية بصورة أوسع الإدارة الأفقية لقضايا أقاليمها.
غير أن التحالفات الجديدة لا تتحرك في بيئة واضحة، لأن العالم ينتقل بسرعة إلى ما يعرف بالوسط الرمادي، وهي المساحة التي لا تكون فيها العلاقات حرباً صريحة ولا سلاماً كاملاً. وفي هذا الوسط يصبح العداء ضبابياً وغير معلن، بينما تكون آثاره واضحة؛ فقد تتعرض دولة لاختراق مالي أو سيبراني أو بحري أو معلوماتي أو اجتماعي من دون أن تعرف بصورة قاطعة من يقف خلفه، قد يكون العمل مكشوفاً، لكن فاعله غامضاً، وقد تظهر النتيجة بينما تبقى سلسلة التمويل والقرار بعيدة عن الرؤية، وهنا يصبح الغموض نفسه أداة قوة.
وفي النهاية، لا يبدو أن العالم المقبل سيتجه إلى استبدال تحالف قديم بتحالف جديد، بل إلى تراكم التحالفات والشراكات والشبكات. حينها ستتعايش المظلات العسكرية، والترتيبات الإقليمية، وشبكات الطاقة، والمال، والتكنولوجيا، والبحر، والاستخبارات في وقت واحد. ففي هذا العالم لن يكون الحليف حليفاً في كل شيء، ولن يكون الخصم خصماً في كل شيء، ولن تكون القوة محصورة في الجيش، ولن تكون الحدود هي المكان الوحيد الذي يبدأ منه الخطر.
الخليج والعالم
الخليج والعالم
الخليج والعالم
الخليج والعالم