الكويت
سياسة الكويت

الميزان المكسور: غياب العدالة الدولية يهدد السلم العالمي

السياسة١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:٠٢ م0 مشاهدة
الميزان المكسور: غياب العدالة الدولية يهدد السلم العالمي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في ظل غياب العدالة الدولية والميزان الواحد" نشر أولاً على موقع السياسة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد ثمانين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة ومواثيقها التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية، بدا الحلم بعالم خالٍ من الحروب والتمييز، تسوده عدالة دولية وميزان واحد لحقوق الشعوب. إلا أن الواقع اليوم يكشف عن انكسار هذا الميزان، ليصبح مجرد أداة لخدمة مصالح القوى الكبرى. لم يعد بالإمكان إنكار حقيقة أن العالم يعيش في ظل غياب تام للعدالة الدولية وميزان موحد يطبق على الجميع. فالقوانين والمواثيق الدولية، رغم وجودها على الورق، لا تُطبق إلا على الدول الضعيفة، بينما تتمتع الدول القوية بحرية التصرف دون مساءلة.

عندما تأسست الأمم المتحدة في عام 1945، كان وعدها يرتكز على المساواة بين الشعوب، وحظر العدوان، وحماية حقوق الإنسان عالمياً. لكن بعد مرور ثمانين عاماً، أصبح النظام الدولي تحت سيطرة خمس دول فقط تتمتع بحق النقض (الفيتو)، مما يسمح لدولة واحدة بإلغاء إرادة العالم بأسره. فكيف يمكن وصف عدالة تمنح خمسة أفراد صلاحية تعطيل مصير ثمانية مليارات إنسان؟ إن غياب الميزان الواحد هو السبب الجذري للفوضى الراهنة، حيث يُطبق معيار على حلفاء القوى الكبرى وآخر على خصومها.

ففي أوروبا، يُنظر إلى احتلال دولة لأراضي أخرى على أنه عدوان يستوجب المقاومة وفرض العقوبات الفورية. بينما في الشرق الأوسط، يوصف احتلال دولة لأراضٍ لشعب آخر لعقود طويلة بأنه "نزاع معقد"، ويُطلب من الضحية التحلي بضبط النفس. هذه الازدواجية الصارخة واضحة للجميع، من الأطفال إلى الخبراء. ولا يقتصر الأمر على السياسة، بل يمتد ليشمل الاقتصاد والجوانب الإنسانية. فالدول الفقيرة التي تتأخر في سداد ديونها تواجه الحصار والتجويع وفرض برامج إصلاح قاسية، بينما تُعتبر طباعة الدول الغنية لتريليونات الدولارات بلا غطاء "سياسة نقدية حكيمة". كما أن قيمة الأرواح تختلف؛ فمقتل مواطن غربي يهز العالم، بينما لا يحظى مقتل الآلاف في الجنوب حتى بخبر عاجل.

إن أخطر نتائج غياب العدالة الدولية هو انهيار الثقة. فكيف يمكن مطالبة الشباب بالإيمان بالقانون الدولي وهم يرونه يُطبق بمكيالين؟ وكيف يمكن حثهم على اللجوء إلى المحاكم الدولية وهم يعلمون أن هذه المحاكم لا تستطيع محاسبة الكبار؟ النتيجة الحتمية هي فقدان الأجيال للثقة في كل شيء، واعتقادهم بأن القوة وحدها هي الضامن للحق. إن العالم لا يحتاج إلى اختراع عدالة جديدة، بل إلى تطبيق العدالة القائمة على الجميع دون تمييز على أساس اللون، العرق، الدين، أو المصلحة. فإذا كان احتلال الأرض جريمة، فهو جريمة في كل مكان. وإذا كان قتل الأطفال جريمة، فهو جريمة في كل زمان. وإذا كان حق الشعوب في تقرير مصيرها حقاً مقدساً، فهو مقدس لجميع الشعوب دون استثناء.

نحن لا نطالب بعالم مثالي خالٍ من الصراعات، فهذا أمر مستحيل. لكننا نطالب بميزان واحد؛ ميزان يدين الاحتلال في أوروبا كما يدينه في الشرق الأوسط، ويدين قتل المدنيين في أي مكان كما يدينه في كل مكان، ويطالب بمحاكمة مجرمي الحرب في أفريقيا كما يطالب بمحاكمتهم في أي قارة أخرى. إن استمرار هذا الوضع لا يهدد الدول الضعيفة فحسب، بل يهدد السلم العالمي بأسره. فالظلم المتراكم دون حساب اليوم، سينفجر غداً في وجه الجميع. لقد علّمنا التاريخ أن الإمبراطوريات لم تسقط بسبب قوة أعدائها، بل بسبب فقدان عدلها الداخلي. إن إصلاح العدالة الدولية ليس ترفاً فكرياً، بل هو شرط لبقاء هذا العالم آمناً. فالظلم الذي لا يجد من يوقفه اليوم في مكان بعيد، سيعود غداً ليطرق أبواب الجميع. والتاريخ يؤكد لنا بوضوح: عندما يغيب الميزان الواحد، يحل ميزان الفوضى. إن المطالبة بالميزان الواحد ليست شعاراً عاطفياً، بل هي طوق النجاة الأخير لهذا العالم قبل أن يغرق في قانون الغاب.

شارك الخبر: