التعريب: مشروع حضاري لتمكين اللغة العربية في عصر المعرفة المتسارع


هذا الخبر بعنوان "التعريب نظرة تاريخية تأصيلية.. بقلم: أ.د. مرزوق يوسف الغنيم" نشر أولاً على موقع الأنباء وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: أ.د. مرزوق يوسف الغنيم
تُعتبر اللغة ركيزة أساسية للفهم الإنساني وتفسير ظواهر العالم، وهي الأداة التي تُمكن من نقل المعارف والخبرات عبر الأجيال. تتجاوز اللغة كونها مجرد وسيلة للتواصل لتصبح وعاءً للفكر، وأداةً لبناء المفاهيم، ووسيلةً لتنظيم المعرفة وتداولها. وكلما تعززت قدرة اللغة على استيعاب المفاهيم المستجدة ومواكبة التطورات العلمية والتقنية، ازدادت مساهمتها في النهضة الفكرية والحضارية، وترسخت مكانة المجتمع الذي يستخدمها في إنتاج المعرفة وتوظيفها.
من هذا المنطلق، لا يمكن اختزال التعريب في مجرد نقل للكلمات والمصطلحات الأجنبية إلى العربية. بل هو مشروع علمي وثقافي وتعليمي شامل، يهدف إلى تمكين اللغة العربية من أداء دورها الفعال في كافة ميادين الحياة المعاصرة، لا سيما في التعليم والبحث العلمي والطب والصحة والتكنولوجيا. فالتعريب بمعناه الواسع يرتبط بقدرة المجتمع على استيعاب المعرفة العالمية، وإعادة صياغتها بلغته، وتيسير تداولها، ثم المساهمة في تطويرها وإنتاج معرفة جديدة تلبي احتياجاته وواقعه الحضاري.
تتزايد أهمية التعريب في عصرنا الحالي الذي يشهد تسارعاً هائلاً في التحولات العلمية والتكنولوجية، وتضاعفاً في حجم المعلومات والاكتشافات، وتداخلاً بين التخصصات، وتجاوزاً للمعرفة للحدود الجغرافية والثقافية. في هذا السياق، لا يكفي أن تكون اللغة قادرة على نقل التراث أو التعبير عن التجارب الإنسانية المألوفة؛ بل يجب أن تتمتع بالمرونة والقدرة الاشتقاقية والدقة الاصطلاحية اللازمة للتعامل مع المفاهيم العلمية المستجدة. كما يتطلب ذلك وجود مؤسسات علمية ولغوية قادرة على مواكبة التطور، وتوحيد المصطلحات، وتحديث المعاجم والمراجع.
لقد أثبت التاريخ أن ازدهار اللغات العلمية كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحركة الترجمة والتفاعل بين الحضارات. فاللغة التي تنفتح على إنجازات الآخرين، وتستوعب علومهم، وتعيد تنظيمها وفق بنيتها الفكرية واللغوية، تصبح أداة فاعلة في بناء المعرفة. وعليه، فإن التعريب لا ينبغي أن يُنظر إليه كانغلاق لغوي أو رفض للغات الأخرى، بل كشكل من أشكال المشاركة في الحضارة الإنسانية، ووسيلة لتوسيع قاعدة المستفيدين من المعرفة، مع الحفاظ على إمكانية التواصل المباشر مع مصادرها الأصلية.
انطلاقاً من هذه الأهمية التاريخية والمعرفية للتعريب، تبرز الحاجة إلى تناول هذا الموضوع من كافة جوانبه المتكاملة. يبدأ ذلك بتحديد مفهومه وأبعاده، مروراً باستعراض تطوره التاريخي ومسوغاته العلمية والحضارية، وصولاً إلى التعريف بمراكزه ومؤسساته ودورها في تطوير المصطلحات وتوحيدها. الهدف هو تكوين رؤية شاملة لطبيعة التعريب، وأهدافه، ومتطلبات النهوض به في العصر الحديث.
علوم وتكنولوجيا
علوم وتكنولوجيا
علوم وتكنولوجيا
علوم وتكنولوجيا