الكويت
سياسة الكويت

حوار المنامة: من تشخيص المخاطر إلى ضرورة استراتيجية أمنية خليجية مشتركة

السياسة٧ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٦ م0 مشاهدة
حوار المنامة: من تشخيص المخاطر إلى ضرورة استراتيجية أمنية خليجية مشتركة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حوار المنامة... من تشخيص المخاطر إلى ستراتيجية خليجية مشتركة" نشر أولاً على موقع السياسة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

نجحت مملكة البحرين مجددًا في استضافة منتدى حوار المنامة، في ظل تحولات جيوسياسية عميقة وتحديات متزايدة تهدد منظومة الأمن والاستقرار في المنطقة. وقد سلطت نقاشات المنتدى الضوء على القلق من احتمالية تجدد المواجهات في الخليج، وأبرزت أهمية التضامن مع الدول العربية الخليجية لمواجهة التهديدات والاعتداءات، وتعزيز التنسيق السياسي والدفاعي، واحترام سيادة الدول، وضمان حرية الملاحة، مع التأكيد على ضرورة خفض التصعيد وتغليب الدبلوماسية.

ومع ذلك، فإن قيمة الحوار لا تكمن فقط في المواقف المعلنة، بل في قدرته على تمهيد الطريق لترتيبات عملية. فالتضامن وحده لا يكفي لصون الأمن، والدعوة إلى خفض التصعيد تفتقر إلى الفعالية ما لم تُسندها جاهزية دفاعية، وتنسيق وثيق، وآليات واضحة للتعامل مع التهديدات. من هذا المنطلق، ينبغي أن يشكل المنتدى فرصة لمراجعة تجارب دول الخليج، والتفكير بجدية في مستقبل أمنها المشترك، وما يتطلبه ذلك من رؤية موحدة وأدوات قابلة للتطبيق.

لقد اهتزت أسس الأمن في الخليج منذ نجاح "الثورة الإيرانية" عام 1979، وما صاحبها من شعارات تصدير الثورة والتدخل في شؤون الدول المجاورة. ثم جاءت الحرب العراقية-الإيرانية، وما خلفته من دمار وخسائر بشرية ومادية على مدى ثماني سنوات، وانتهت عام 1988 دون حسم. وكان من المفترض أن تدفع هذه التطورات دول الخليج إلى إدراك أن أمن المنطقة ليس أمرًا مضمونًا، وأن حماية الاستقرار تتطلب استعدادًا دائمًا.

وقد جاء تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وإنشاء قوة "درع الجزيرة"، وتوثيق العلاقات مع الحلفاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، استجابة لمخاوف حقيقية. ولا يمكن التقليل من الدور الذي لعبته هذه الخطوات في توفير التعاون والحماية. إلا أن التحولات الأخيرة أظهرت أن المطلوب يتجاوز إطار التعاون أو الاعتماد على الشراكات الخارجية، نحو استراتيجية دفاعية متكاملة، تقوم على رؤية مشتركة للتهديدات، وقدرات منسقة، وآليات واضحة لاتخاذ القرار والاستجابة.

وأكد احتلال العراق للكويت عام 1990، وحرب تحريرها، ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، أن أمن دول المنطقة واستقلالها ليسا بمنأى عن الخطر. وكانت تلك المحطات بمثابة أجراس إنذار تدعو إلى مراجعة التفكير الأمني الخليجي في بيئة تتغير فيها طبيعة الصراعات، وتتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وتزداد أهمية حماية البنى التحتية والممرات البحرية ومصادر الطاقة.

كما أن المواجهات العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، وما صاحبها من هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على مدن ومنشآت في دولنا العربية الخليجية، أظهرت أن دول الخليج أصبحت أقرب إلى ميادين الصراع. وتفرض هذه التجربة ضرورة فهم طبيعة حروب العصر، حيث لم تعد النماذج الدفاعية التقليدية وحدها كافية لمواجهة تهديدات سريعة ومتعددة المصادر.

ومراجعة التفكير الأمني لا تعني التخلي عن التحالفات، أو الدخول في سباق تسلح، أو خوض مواجهات لا نرغب فيها. بل تعني تحديد ما يمكن إنجازه جماعيًا: تبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتنسيق الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وتطوير القدرات التقنية، ووضع آليات لإدارة الأزمات. ويشمل ذلك تعزيز الصمود المجتمعي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، ورفع الوعي والاستعداد لدى المؤسسات والأفراد.

يجب أن يكون هدفنا الأول منع الحروب وتجنب المواجهات. وينبغي أن تظل استراتيجيتنا دفاعية، قائمة على احترام السيادة وحسن الجوار، ورفض التدخل والابتزاز، وتغليب الحوار. لكن الحرص على السلام لا يعفينا من الاستعداد؛ فالجاهزية المشتركة تحمي السلام، وتقلل فرص الاعتداء وإغراء اختبار تماسك دول المنطقة.

وتبرز هنا مسؤولية دول "مجلس التعاون" الخليجي في الانتقال من تبادل التقديرات إلى بناء قدرة مشتركة، ومن التوافق على المبادئ إلى خطط قابلة للتنفيذ. فأمن الخليج مسؤولية جماعية، تتطلب تماسك الجبهة الداخلية، وتعزيز القدرات الذاتية، وتوثيق الشراكات، والاستعداد لتنسيق الرد إذا فُرضت المواجهة. لقد أتاح حوار المنامة مساحة مهمة للتأمل، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد اختتام جلساته: هل نستطيع تحويل إدراك المخاطر إلى استراتيجية خليجية مشتركة تحمي شعوبنا، وتصون سيادتنا، وتمنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة؟ ينبغي أن يظل هذا السؤال حاضرًا في اجتماعاتنا المقبلة، وأن تُقاس به جدية خطواتنا.

شارك الخبر: