هيبة الردع وقوة القانون: كيف يتحقق الأمان المجتمعي بعيداً عن قسوة العقوبات؟


هذا الخبر بعنوان "حين تتجرأ الجريمة... فمن يوقظ هيبة الردع؟" نشر أولاً على موقع السياسة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ فجر الحضارة، والإنسان يسعى باستمرار لإيجاد ميزان يحمي الحقوق ويضع حداً حاسماً للعدوان. ففي مصر القديمة، جسدت "ماعت" معاني الحق والعدل والنظام، وجاء مرسوم حورمحب لمواجهة الفساد والتجاوز على حقوق الأفراد. ومع تعاقب العصور، تطورت القاعدة القانونية تدريجياً من العرف إلى التدوين؛ فظهرت شريعة أور نمو كواحدة من أقدم مجموعات القوانين المكتوبة، تلتها شريعة حمورابي ملك بابل التي أرست قواعد المسؤولية والجزاء عبر 282 مادة قانونية نُقشت على مسلّة من حجر الديوريت بالخط المسماري، وغلب عليها مبدأ "العين بالعين والسن بالسن". ثم ظهرت الألواح الاثنا عشر في روما لتسهم في صياغة الفقه القانوني وصولاً إلى التشريعات الحديثة.
عبر هذا التاريخ الطويل، لم تتبدل حاجة المجتمع إلى القانون، بل تطورت فلسفته ذاتها. فبعد أن كانت العقوبة تقتصر على معاقبة الجاني بعد وقوع الجريمة، باتت العدالة الحديثة تركز على حماية المجتمع، والوقاية من الجريمة قبل وقوعها، وتحقيق الردع المقرون بالإصلاح. وغالباً ما تبدأ بذور الجريمة عندما يضعف الإحساس بالمساءلة ويظن الجاني أنه بمنأى عن العقاب. وهنا تتجسد الأهمية الكبرى للردع، إذ إن القانون لا يستمد هيبته من قسوة العقوبة بل من يقين تطبيقها، وعدالة إنفاذها، وسرعة محاسبة المرتكب.
وقد أدرك المفكرون قديماً، مثل الفقيه الإيطالي تشيزاري بيكاريا، أن يقين العقوبة وعدالتها أشد فاعلية في الردع من قسوتها المفرطة. وسبق القرآن الكريم الفكر الجنائي الحديث في إرساء هذا المفهوم بقوله تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، حيث يُعد القصاص حياة مصونة وعدعاً للعدوان وحفظاً لسلامة المجتمع. وفي ظل الدولة الحديثة، تحولت العقوبة من أداة انتقام إلى وسيلة لحماية المجتمع وردع الجناة وإصلاح المحكوم عليهم وتأهيلهم.
ولا يمكن الاعتماد فقط على تغليظ العقوبات لمواجهة الجرائم؛ فالردع منظومة شاملة تتطلب تشريعاً واضحاً، وأجهزة كفؤة لكشف الجرائم، وتحقيقاً مهنياً، ومحاكمة عادلة وناجزة، وتنفيذاً فعالاً. إلى جانب ذلك، تلعب الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية دوراً محورياً في الوقاية ونشر الوعي لمنع الجريمة قبل ولادتها. إن هيبة القانون الحقيقية تنبع من الطمانينة التي تزرعها العدالة والمساواة بلا تمييز، لتصبح ثقافة مجتمعية تحمي الحقوق وتجعل الجريمة استثناءً نادراً.
سياسة الكويت
سياسة الكويت
سياسة الكويت
سياسة الكويت