الصدمة في الأهداف: قراءة تحليلية في واقع لبنان وأزماته السياسية والأمنية


هذا الخبر بعنوان "الصّدمةُ... في الأهداف" نشر أولاً على موقع السياسة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إن القراءة المعمقة لما يجري عندنا اليوم تقودنا إلى ما أشار إليه قديماً علماء الأنتروبولوجيا السياسية من أن الكيانات تنقسم إلى ما قبل الدولة، بمعنى أن التجمعات البشرية تعيش دراما القبلية والعشائرية والهمجيّة، وإلى ما بعد الدولة حيث المجتمع الراقي المنظم الذي يحترم القانون ومنظومة القيم وسيادة الحق. واستناداً إلى ذلك نطرح الإشكالية الملزمة: أين موقع لبنان والخارطة غير خارطته وأسس حضوره مزلزلة؟
للتذكير، لقد وصف المبدعون لبنان بأنه طبق ملئ مسكاً أهله نُدماء خواص وخالقه فاض عليه من مواهب بره وأقسام نعمته وأنزلَه آيةً تبعث الدهشة أمام روعة التكوين. لكن سلوك البعض اليوم وقع فيه نهباً واستباحة ونقله من السيادة إلى الظلمة ورماه بإثم هجّن مقامه وطاله بمؤامرة حولت عافيته أثلام دموع وخضرة فرحه ذبولاً ويُبوساً، فشاهد اليأس فيه ينطق والهمجية تعلن ترسيمة فيها غصص.
وبعد، هل كل هذا أثر بشري صرف؟ الواضح الجلي أن سببه يعود إلى محفوظات إثنية عقيمة أعادها من جوقات الجاهلية وبحماسة بالغة الذين ارتدوا لباس الحفار ليجعلوا من لبنان وبشكل ممهج أطلالاً لن يقف عليها أحفاد امرئ القيس ونحن نبكي ونستبكي. لقد سكن هولاكوويو الزمن الحالي الرّديء نِحلة القتل في جسد الوطن وشلّعوه أيما تشليع وجمّدوا فيه وثبته الطليعية في المشرق العربي ليرزح بهم تحت أعباء الرماد والشوك التي تغلغلت في شرايينه بدلاً من نبض الحياة.
إن جِلد لبنان الذي جايل الزمان جُمِّد فيه الزمان وراح ينتظر بإرهاق طفرة واعدة تعيد إليه صفاءه ونقاءه وتمشهِد فيه للحياة وهذا حقه. لكن جرعة الإنعاش التي ينبغي أن تقرع باب الوطن لن يستقيم حالها إذا بقي البلد ملعباً لنزوات الطارئين، هؤلاء الذين أوكلوا لأنفسهم جعل البلاد يضنيها رقهم العسكري والسياسي لتعاني بهم مر اليأس والموت والدمار.
لم يزج المماليك الجدد بالوطن في جهنم اعتباطياً، لأنهم لم يجدوا أنفسهم معه يوماً صادقي الولاء والانتماء، وقد ألصقت بهم هويته ززوراً، لكن ولاءهم الذي أعلنوا عنه مراراً ودون تمويه محضوه لبلاد غير لبنان ولِسلطة غير سلطة دستوره وقوانينه ولشرعية غير شرعية مؤسساته، ونفذوا لذلك مؤامرة انتدابية لم يتأخر افتضاح أهدافها خدمة لمصالح ولي خارج مساحة الوطن. وما التستر بكليشيهات مبتذلة سوى برواز للإطباق على الحكم في لبنان وابتزاز مقوماته والاستفراد بقراره وتقديمه ورقة يرفعها الولي على طاولة المفاوضات علّها تدر عليه ما عجز عن نيله دونها.
أين لبنان من أهداف الذين أعدوا له عذاباً أليماً وما كانوا فيه إلا أزمة أرخت فيه لعصر شقاء ممهور بخاتم شيطان؟ إن السلطة ترفض حتى الساعة تنظيف الدولة والبلاد من الذين وضعوا الحجر والبشر فوق بركان مسنود صاعقه إلى كف آثمة توظف امتلاكها سلاحاً غير مشروع لشَن حروب عبثية ولعرقلة مفاوضات مأمولة ولتسخيف مشاريع تعزز الأمن في الوطن ولمناصبة العداء لأصدقاء لبنان وإخوانه. هذا التنظيف إن لم يتم وعسى أن يتم فإن تشلّع البلد هو نجم المرحلة.
في الجنوب، كما في مناطق من لبنان، تحولت الاستراتيجية الإسرائيلية المناهضة لـ"حزب الله" من أعمال انتقامية إلى حرب ثابتة، وهذا منعطف صارم يمكن أن يدفع بالعدو إلى التمدد شمالاً بدلاً من الانكفاء إلى الوراء. وهذا يعني وبوضوح احتلال إسرائيل لجزء من مساحة لبنان لا تتخلى عنه إلا إذا انتفى بالكامل وجود سلاح مع "حزب الله" وقام النظام اللبناني بفرض سلطته على البلاد وبتوقيع معاهدة تسالم مع إسرائيل من خلال المفاوضات الجارية أقلها حفاظاً على أمن المستوطنات على الحدود مع لبنان.
إن قرار التنظيف انتهى حتى الآن في الجوارير بينما تنفذ السلطة الإسرائيلية بنود قرار القضاء على خطر "حزب الله" وعلى حساب لبنان من دون تلكؤ. وتفهرس هذه السلطة جدول أعمالها تبعاً للمستجدات السياسية والأمنيّة في المنطقة لا سيما حربها مع النظام الإيراني وضرب إمكانيات "حزب الله" من تجديد ترسانته خصوصاً في الخنادق التي حفرها أخطبوطياً من الجنوب إلى الشمال ومن السلسلة الشرقية إلى العاصمة.
لقد قيل إن الصدمة تكمن في الأهداف وإن عدم تحقيقها يعطي مبرراً للقلق ويضاعف من مخاوف الناس وهم على صواب فيما يشعرون. ومن حقهم أن يسألوا: كم من الوقت يمكن الاستمرار في مواجهة موت بات محتوماً؟
سياسة الكويت
سياسة الكويت
سياسة الكويت
الخليج والعالم