الكويت
سياسة الكويت

قراءة متعمقة في مبادرة الصين الأمنية للشرق الأوسط: بين تحديات القدرة ومصداقية الطرح

السياسة٣ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٠١ م1 مشاهدة
قراءة متعمقة في مبادرة الصين الأمنية للشرق الأوسط: بين تحديات القدرة ومصداقية الطرح

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مبادرة الصين الأمنية... بين المصداقية والقدرة" نشر أولاً على موقع السياسة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال محادثاته في القاهرة، مبادرة من أربع نقاط تهدف إلى إرساء إطار أمني جديد في الشرق الأوسط، ترتكز على مفهوم الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام. تدعو هذه المبادرة إلى أن تنبع الترتيبات الأمنية من داخل المنطقة نفسها، ومعالجة أزماتها بطريقة مترابطة من دون تهميش القضية الفلسطينية، مع ربط الاستقرار بالتنمية، وحماية الممرات البحرية، واحترام ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن رفض التدخل الخارجي وازدواجية المعايير.

ولا تمثل هذه الخطوة دعوة لتأسيس تحالف عسكري تقوده الصين، أو عرضاً لمظلة دفاعية بديلة عن الولايات المتحدة، بل هي محاولة جادة لإعادة صياغة السؤال حول الجهة التي يجب أن تشارك في صياغة قواعد الأمن الإقليمي، أهي القوى الخارجية وحدها أم دول المنطقة أيضاً؟ وهنا تبرز أهمية المبادرة، فالترتيبات التي قادتها واشنطن قدّمت لبعض دول المنطقة ردعاً وضمانات أمنية تعجز الصين عن تقديم مثيل لها حتى الآن، غير أنها أخفقت في منع الحروب المتكررة ولم تفلح في خلق نظام أمني يحظى بقبول عام.

ولا يقتصر التفاوت بين الطرفين على الجانب العسكري فحسب، إذ تمتلك الولايات المتحدة شبكة أوسع من العلاقات السياسية والإعلامية في الشرق الأوسط، مما منحها قدرة أكبر على تسويق سياساتها والدفاع عنها أمام الرأي العام العربي، بينما تظل الصين، رغم تنوع مصالحها، أقل حضوراً وانفتاحاً في مخاطبة مجتمعات المنطقة، مما يجعل أهدافها تبدو أكثر غموضاً.

مع ذلك، فإن مقارنة الخطابين بالسجل الفعلي تكشف عن تعقيدات أكبر؛ فمنذ نيل جمهورية الصين الشعبية مقعدها في مجلس الأمن عام 1971، استخدمت بكين حق النقض (الفيتو) نحو 20 مرة، مقابل نحو 89 مرة للولايات المتحدة، التي ارتبط أكثر من نصفها بحماية إسرائيل أو تعطيل قرارات تخصها. وخارج أروقة المجلس، استخدمت واشنطن القوة العسكرية بلا تفويض أممي صريح في غرينادا وبنما وكوسوفو والعراق، تلتها العملية العسكرية التي أفضت إلى أسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، إلى جانب الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

في المقابل، لم يخلو السجل الصيني من التناقضات عبر استخدام حق النقض إلى جانب روسيا لإسقاط مشاريع قرارات دولية متعددة، وهو ما يمنح دعوة بكين للحد من التدخل الخارجي مصداقية نسبية تستحق التحليل، ويؤشر في الوقت ذاته على تحول ملحوظ في المزاج الإقليمي، حيث دفع التباعد بين المبادئ المعلنة والممارسات الأميركية قطاعات واسعة من النخب والرأي العام نحو الانفتاح على الطرح الصيني.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى لزاماً التمييز بين المصداقية والقدرة، إذ إن التحفظ في استخدام القوة لا ينشئ بمفرده نظاماً أمنياً، تماماً كما لا يضمن التفوق العسكري قبولاً سياسياً مستداماً. وعليه، فإن المنطقة لا تحتاج إلى المفاضلة بين واشنطن وبكين، بل إلى فهم ما يمكن للمبادرة الصينية إضافته وتكاملها مع الضمانات القائمة بلا تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دولي جديد، خصوصاً وأن الصين تمتلك الثقل السياسي والاقتصادي والعلاقات المتوازنة لتأهيلها ونقل أفكار الأمن المشترك من حيز التنظير إلى مسار دبلوماسي واقعي.

شارك الخبر: