الكويت
سياسة الكويت

ما بعد التعويض: نحو هيكلة فعالة للتشابك الإقليمي في ظل التهديدات المتزايدة

النهار الكويتية١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٣١ م0 مشاهدة
ما بعد التعويض: نحو هيكلة فعالة للتشابك الإقليمي في ظل التهديدات المتزايدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "جريدة النهار الكويتية | ما بعد التعويض.. هيكلة التشابك الإقليمي (3)" نشر أولاً على موقع النهار الكويتية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في استكمال للجزءين السابقين حول موضوع "ما بعد التعويض: هيكلة التشابك الإقليمي"، يتناول هذا الجزء الثالث الانتقال من مرحلة النوايا الجماعية إلى عهود توافقية تُنشئ التزامات متبادلة قابلة للتفعيل. عندما تستشعر الدول المتحالفة تهديداً يمس أمنها ومصالحها المشتركة، تبرز قيمة التحالف في توحيد الجهود، وتكامل القدرات، وتقاسم الأعباء والمخاطر. هذا التكامل يُشكل نفوذاً جماعياً يحقق التأثير المطلوب وفق غايات سياسية متفق عليها، مع الحفاظ على سيادة كل طرف واستقلالية قراره.

تبدأ هذه العملية بفهم دقيق لطبيعة البيئة الأمنية للعمليات (Operational Security Environment - OSE)، بوصفها إطاراً لتحليل الظروف المحتملة لعمل القوات. يشمل ذلك تحديد التهديدات العسكرية، السيبرانية، والمعلوماتية، بالإضافة إلى طبيعة الأرض، الجغرافيا، الممرات البحرية والجوية، والمصالح المتشابكة، والقيود السياسية والقانونية. فالبيئة التي تتطلب مراقبة الملاحة في أوقات السلم تختلف جذرياً عن بيئة تتعرض فيها المنشآت الحيوية أو الأهداف الرخوة (Soft Targets) - كمنشآت الطاقة والمياه والمطارات والموانئ - لهجمات بالمسيّرات والصواريخ.

بعد فهم البيئة، يأتي تحديد متطلبات بيئة العمليات (Required Operational Environment)، وهي الظروف والتسهيلات اللازمة لتنفيذ المهام، مثل المعلومات، الاتصالات، حرية الحركة، الإسناد، والتنسيق. يختلف هذا عن قواعد الاشتباك (Rules of Engagement - ROE)، التي تنظم صلاحيات استخدام القوة وحدودها. فتهيئة الظروف لتنفيذ المهمة لا تعني منح الإذن بالقتال.

تُترجم الغايات السياسية إلى متطلبات القدرات العملياتية (Required Operational Capability - ROC)، والتي تحدد ما يجب أن تستطيع القوات إنجازه، بدلاً من مجرد تعداد حجمها وتكوينها من معدات وأفراد. قد تكون المهمة تنفيذ إنزال بحري وجوي متزامن، أو حماية ممر بحري، أو التصدي لهجوم صاروخي، أو استمرار تشغيل ميناء. وعندها تُحدد قدرات الإنذار، الكشف، المناورة، الاعتراض، الإسناد، والاستمرار المطلوبة.

فعندما تتعرض منشأة حيوية لهجوم بالمسيّرات، يكشف تحليل البيئة طبيعة التهديد، وتحدد متطلبات القدرات وسائل الإنذار والاعتراض اللازمة. بينما تضبط قواعد الاشتباك شروط استخدام القوة، ويضمن توحيد الجهد أن تعمل هذه العناصر بتنسيق وقرار منضبطين. وهكذا تتحول المصطلحات العسكرية إلى إجراءات مترابطة لحماية المصالح المشتركة.

يقوم النشاط المشترك والمختلط (Joint Activity - JA) على تنسيق القدرات البرية، البحرية، الجوية، السيبرانية، والمعلوماتية، وفق منهج يركز على التأثير المطلوب (Desired Effects) وتوظيف النفوذ (Influence). فلا تكون الغاية استخدام أكبر قدر من القوة، بل تحقيق النتيجة التي تخدم الهدف السياسي. وقد يتحقق ذلك بالردع، أو حماية الملاحة، أو في صراع محدود لمنع التصعيد، أو استمرار الخدمات دون الانتقال مباشرة إلى قتال واسع.

تتطلب هذه المنظومة سمات دائمة، تشمل النفاذ (Access)، الحركة (Mobility)، تعدد الاستخدامات (Versatility)، الصمود (Resilience)، الوصول المستدام (Sustained Reach)، وتوفير قدرة النقل والإسناد (Lift Capacity)، والاتزان والاستعداد المنضبط (Poise)، والقدرة على التأثير (Leverage). وهي تعني مجتمعة وصول القوة إلى المكان المطلوب في الوقت المناسب، وامتلاك حرية الحركة والتكيف والاستمرار، وتحقيق الهدف بأقل قدر لازم من القوة والمخاطر.

تكتسب عتبة التفعيل أهميتها عندما ينتقل التهديد من كونه ممكناً (Possible) إلى مرجح (Probable)، ثم إلى وشيك (Imminent). وهي درجات تساعد على تقدير الخطر وتوقيت الاستجابة دون أن تمنح بذاتها تفويضاً باستخدام القوة. فليس كل تهديد يستدعي القتال، وليس كل استعداد عسكري يعني قراراً بالحرب. وقد تبدأ الإجراءات بالمراقبة وتبادل المعلومات، ثم رفع الجاهزية والإسناد، وصولاً إلى الدفاع المشترك وفق القرارات والصلاحيات المعتمدة.

تظهر هنا أهمية قواعد الاشتباك (ROE)، التي تحدد شروط استخدام القوة وفق القانون والمهمة والقرار السياسي، وتحد من التصعيد غير المقصود. خصوصاً في الوسط الرمادي الذي تتداخل فيه الاستفزازات، والعمليات السيبرانية، والمسيّرات، والجهات غير النظامية مع الأنشطة المدنية. ويظل القرار البشري المنضبط ضرورياً عندما تكون هوية التهديد أو نواياه غير مؤكدة.

لا يكتمل التحالف دون وضوح سلسلة القيادة وسلطة القرار، وتوحيد الجهد، وتقاسم الأعباء والمخاطر. فقد يتولى طرف تبادل المعلومات، وآخر الدفاع الجوي، وثالث وكفاءة التقنيات والمعدات والنقل والإسناد. بينما تتطلب المشاركة القتالية قراراً وطنياً مستقلاً. ولا يعني اختلاف الأدوار ضعف التحالف ما دامت حدود المشاركة معلومة ومتفقاً عليها قبل وقوع الخطر.

بالنسبة للدول الصغيرة، تكمن القيمة الاستراتيجية في تقليص الفجوة بين التهديدات المتوقعة والحماية الممكنة، من خلال فهم البيئة، وتحديد المهمة، وبناء القدرة، واختبار التعاون مسبقاً. فتكامل الجهود يشكل نفوذاً يجمع التمكين (Empowerment) مع الممكنات (Enablers)، ويحول الالتزام السياسي إلى قدرة مشتركة ومختلطة قابلة للتشغيل، تحفظ استقلالية القرار والسيادة، وتجعل التحالف وسيلة للاستقرار لا مدخلاً إلى حرب لا يريدها أطرافه.

شارك الخبر: