الذكاء الاصطناعي في خدمة الترجمة الأدبية: خبراء يؤكدون على الدور الإنساني للمترجم في معرض الشارقة الدولي للكتاب


هذا الخبر بعنوان "مترجمون وأكاديميون في "الشارقة الدولي للكتاب": الذكاء الاصطناعي لا يغني عن المترجم الأدبي" نشر أولاً على موقع الأنباء وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
الشارقة - يوسف غانم: أكد مترجمون وأكاديميون وناشرون خلال ندوة "لماذا نترجم في العصر الرقمي؟ – ندوة جائزة ترجمان"، ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، أن الأدوات الرقمية وقدرتها على إنتاج النصوص بسرعة لا تلغي الدور الجوهري للمترجم الأدبي. وأوضح المشاركون أن المترجم يظل مسؤولاً عن فهم الأبعاد الجمالية والثقافية للأعمال الإبداعية، وضمان دقة الترجمة والحفاظ على خصوصية النص الأصلي، وذلك في ظل التطورات المتسارعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
تناولت الندوة فرص الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مهنة الترجمة، والتحديات التي تواجه ترجمة اللغات الأقل انتشاراً، بالإضافة إلى تأثير التقنيات الحديثة على سوق النشر، والحاجة الماسة للشفافية في الإفصاح عن استخدام هذه التقنيات، مع ضرورة حماية حقوق المترجمين والقراء. وقد شارك في الندوة نخبة من الخبراء منهم الدكتورة إيزابيلا كاميرا دافليتو، والدكتور صبحي البستاني، والدكتور لويس ميغيل كنيادا، والدكتور كيم نيونغ وو، والدكتورة فاليريا ماسياس باجيس.
استعرض الدكتور صبحي البستاني الفروقات الدقيقة بين الترجمة البشرية والآلية للنصوص الشعرية، مستشهداً بمقاطع من قصائد الشاعر محمود درويش وترجماتها إلى الفرنسية على يد المترجم والناقد إلياس صنبر. وأشار إلى أن الترجمة الآلية قد تنجح في نقل المعنى وفقاً لقواعد اللغة المستهدفة، إلا أنها غالباً ما تفقد النص بعضاً من خصائصه الجمالية والإيقاعية المميزة. وقدم مثالاً على ذلك بتكرار حرف الواو في شعر درويش، الذي يضفي على الأبيات إيقاعاً متسارعاً يعكس توالي الأحداث وتراكمها، وهو ما تم حذفه في الترجمة الرقمية لتتوافق مع الأساليب الفرنسية المعتادة. كما توقف عند عبارة "كي ننتهي" في إحدى قصائد درويش، موضحاً أنها تحمل دلالة الفناء والانتهاء الذاتي، بينما فسرتها الترجمة الآلية بمعناها الحرفي وهو إنهاء الكتابة. وقارن البستاني بين ترجمة الشاعر أدونيس لقصيدة "ضد أفلاطون" للشاعر الفرنسي إيف بونفوا والترجمة الرقمية لها، معتبراً أن ترجمة أدونيس تجسد مفهوم "الترجمة الخلاقة"، التي تعيد إنتاج النص بروح المترجم ورؤيته الشعرية، وتبرز القيمة الإبداعية التي تضيفها الترجمة البشرية.
من جانبه، تحدث الدكتور كيم نيونغ وو عن تجربته الممتدة لثلاثين عاماً في ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الكورية. وأوضح أنه يستعين حالياً بالذكاء الاصطناعي في ترجمة كتاب "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" للقاضي بهاء الدين بن شداد، الذي يتناول سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي، ويتوقع الانتهاء من ترجمته العام المقبل. وأشار إلى أنه يوظف التقنية في ثلاثة مجالات رئيسية: فهم السياقات التاريخية والمصطلحات القديمة، والتعرف إلى أسماء الأسلحة والمدن والشخصيات المرتبطة بالحروب الصليبية، واختيار المفردات الكورية المناسبة وتحسين الصياغة. واستشهد باستعانته بالذكاء الاصطناعي لفهم وصف آلة الحصار المعروفة باسم "الدبابة"، قبل أن يشاهد نموذجاً مصغراً لها خلال زيارته متحف الشارقة للحضارة الإسلامية في أكتوبر الماضي. وأكد نيونغ وو أنه يتعامل مع إجابات الذكاء الاصطناعي باعتبارها مؤشرات أولية تستدعي التحقق الدقيق بالرجوع إلى المعاجم والمراجع العلمية المتخصصة، مشدداً على أن الترجمة الأدبية تظل ممارسة إنسانية وعقلية وروحية تتطلب معرفة ثقافية عميقة وتذوقاً جمالياً رفيعاً، فيما تظل التقنيات الرقمية مجرد أدوات مساعدة.
أكدت الدكتورة إيزابيلا كاميرا دافليتو أن ترجمة الأدب العربي تتيح للقارئ الغربي فرصة فريدة للتعرف على تاريخ المجتمعات العربية وتجاربها الاجتماعية والثقافية المتنوعة. وأوضحت أن مسؤولية المترجم لا تقتصر على نقل الكلمات فحسب، بل تشمل أيضاً اختيار الأعمال الأدبية التي تساهم في بناء فهم أعمق للثقافات الأخرى وتجاوز الصور النمطية. واستشهدت بترجمات أعمال غسان كنفاني وسحر خليفة، التي تتناول من خلال التجارب الفردية والعائلية قضايا جوهرية مثل فقدان الأرض، والتهجير، والمنفى، والتمسك بالذاكرة والهوية. كما أشارت إلى أعمال عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وسعد الله ونوس، التي تكشف جوانب هامة من التاريخ السياسي والاجتماعي العربي.
من جانبها، أوضحت الدكتورة فاليريا ماسياس باجيس أن تطور الذكاء الاصطناعي يفرض على المترجمين الأدبيين ضرورة الجمع بين المعرفة اللغوية والثقافية العميقة والقدرة على استخدام الأدوات الرقمية بفعالية. وأشارت إلى أن الترجمة الأدبية تتطلب سنوات طويلة من القراءة والدراسة والبحث والتفاعل المستمر مع الثقافات المختلفة. وفي المقابل، تواجه أدوات الذكاء الاصطناعي صعوبات جمة في التعامل مع اللغات الأقل انتشاراً، وذلك نتيجة لمحدودية النصوص والبيانات المستخدمة في تدريب نماذجها، مما يؤثر سلباً على قدرتها على إدراك الفروق الدقيقة وإنتاج ترجمات دقيقة. وتطرقت باجيس إلى تحديات أخرى تتعلق بترجمة قضايا النوع الاجتماعي والموضوعات العرقية، في ظل الفجوة المتزايدة بين التحولات المجتمعية والمحتوى المتاح رقمياً.
تناول الدكتور لويس ميغيل كنيادا تأثير الذكاء الاصطناعي على الترجمة بوصفها نشاطاً إبداعياً ومهنة ومنتجاً تجارياً. وحذر من أن القدرة على إنتاج النصوص وترجمتها بكميات كبيرة وبسرعة غير مسبوقة قد تؤدي إلى تغليب القيمة الاقتصادية للكتاب على قيمته الفكرية والثقافية. ولفت الانتباه إلى مخاوف متزايدة من تراجع استعداد بعض الناشرين لدفع مقابل إضافي للترجمات المتقنة، وظهور أعمال مترجمة لا تحمل أسماء مترجميها أو توضح مسؤوليتهم عنها. واعتبر أن قرارات دور النشر سيكون لها تأثير حاسم في مستقبل مهنة الترجمة. واستشهد كنيادا ببيانات أوردها خلال الندوة، تشير إلى نشر أمازون نحو 10 ملايين كتاب إلكتروني بين عامي 2020 و2025، وأن 30% من الأعمال المكتوبة بالذكاء الاصطناعي في قاعدة بيانات "إنفينيتي لايبراري" تنتمي إلى الروايات الرومانسية. ودعا كنيادا إلى تنظيم سوق الترجمة، وإلزام الناشرين بالإفصاح عن آليات الترجمة ونسبة استخدام الذكاء الاصطناعي في كل عمل، ووضع توصيف واضح على أغلفة الكتب يميز الترجمة البشرية عن الآلية. كما دعا إلى توعية القراء بحقهم في الحصول على ترجمات جيدة وموثوقة. وأكد في الختام أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مفيدة في عمل المترجم، شريطة الوضوح التام بشأن حدود استخدامه، واستمرار مسؤولية الإنسان عن توجيه عملية الترجمة ومراجعة نتائجها النهائية.
فن وثقافة
فن وثقافة
فن وثقافة
اقتصاد وأعمال